في ظل استهداف حرية التعبير
صحفيو اليمن على قارعة الطريق
الجمعة 9 فبراير 2018 الساعة 17:32
خاص

أطلقت رصاصة الانقلاب ضد الدولة  في اليمن  نهاية العام 2014 معلنة معها واقع قمعي وعنيف تجاه الصحافة والصحفيين المخالفين لتوجهات جماعة الحوثي وصالح.

كانت وسائل الإعلام الهدف المدني الاول بعد دخول جماعة الحوثي العاصمة صنعاء فاقتحمت وسائل الإعلام  المخالفة لها واوقفتها بعد نهب محتويات بعض تلك الوسائل. فأغلقت عشرات الصحف وسرح مئات الصحفيين والعاملين فيها.

هنا نحاول تلمس مدى تأثير ايقاف وسائل الإعلام على الصحفيين والصحف والموزعين ، واصحاب الاكشاك التي تبيع الصحف .

 ومن خلال جولتنا  وجدنا أن الصحفيين واصحاب الاكشاك وملاك المطابع والباحثون عن المعرفة في مناطق سيطرة الحوثي في اليمن  يعيشون ازمة كبيرة بعد ان فقدو اعمالهم وتحولوا  الى عاطلين عن العمل  يبحثون  عن  فرص عمل بديلة بعيدا عن مهنة الصحافة  .

وبدا واضحا ان توقف الصحف كان  منذ اجتياح جماعة الحوثي للعاصمة صنعاء والمحافظات اليمنية الاخرى الذي قوبل  بالرفض من قبل  الأحزاب السياسية  والمكونات المجتمعية ، فسعت هذه الجماعة إلى تغييب الشهود والتنكيل بهم لتغييب الحقيقة وممارساتها العدائية والقمعية. الصحفيين وبالاخص الصحف الحزبية والمستقلة التي تمثل الأكثر  الوسائل اصدار ومبيعات الجزء الاكبر من الاستهداف والترويع.

هذه الممارسات القمعية جعلت الصحفيين والعاملين في مجال الصحافة  يجدون أنفسهم بلا عمل بعد فقدانهم وظائفهم و مصدر رزقهم الوحيد ." .

اغلاق 200 وسيلة إعلامية

تقول التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية واعلامية  ان كثر من 200 وسيلة اعلامية اغلقت بالقوة في العاصمة صنعاء , بعد سيطرة مسلحي جماعة انصار الله ( الحوثيين ) على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 م .. ومن بين تلك الوسائل التي تعرضت للإغلاق اربع قنوات تلفزيونية , اضطرت للعمل حاليا من خارج اليمن , وبعضها اغلق ولم يتمكن من اعادة إطلاق البث.

ولم يكن الصحافيين والعاملين في تلك الوسائل الاعلامية هم المتضررين الوحيدين جراء ذلك , بل امتد الضرر إلى اصحاب المطابع و اكشاك بيع الصحف وباعة الصحف المتجولين , ومكاتب توزيع الصحف , وكذا العاملين في قطاع الاعلانات.

 رصيف البطالة يلتقف الصحفي

 يقول عامر الدميني مدير تحرير صحيفة الناس وهي صحيفة أسبوعية  مستقلة تتبع القطاع الخاص , ان الصحيفة التي كان يديرها قبل الحرب , كانت تعتمد على الإعلانات وتبيع   12الف نسخة اسبوعيا ، ويعمل فيها ما لا يقل عن عشرين صحافي إلى جانب الموزعين والاداريين .

وحسب الدميني فأن   الصحيفة توقفت بسبب سياستها التحريرية المناهضة لسلطة الأمر الواقع  في صنعاء ,  ليجد العاملون فيها أنفسهم بلا عمل ما دفعهم للبحث عن اعمال أخرى.

 وتحدث الدميني عن تضرر باعة الصحف المتجولين , مشيرا الى ان نسبة 40% من مبيعات صحيفته كانت تتم عبر هذه الشريحة التي تتجول في تقاطعات الشوارع والأسواق لبيع الصحف .

ويضيف " الانقلاب الحوثي قضى على هامش الحرية التي كنا نعمل فيه , بل ارتكب مجزرة بحق الصحافة اليمنية و ملاحقة الصحافيين وسجن الكثير منهم  .. صحيفتنا تعرضت للنهب والعاملين فيها تعرضوا للملاحقة " .

سقوط مدنية الدولة

ويرى أحمد المكش رئيس تحرير صحيفة الزاوية أن توقف الصحف عن الإصدار  بحد ذاته يجسد سقوط لكل معاني المدنية والديمقراطية..

واضاف " وربما معظمنا انقطعنا مكرهين لا راضيين  نتيجة كتاباتنا الصريحة ..ومعظم الصحف أغلقت لعجز مالي أو لتهديد العاملين ما اثر ذلك سلبي 100% على الصحفيين بالدرجة الأولى كون الصحيفة والإنتاج الفكري كان مصدر دخل الصحفي ."

ويشير المكش إلى ان الصحف كانت تعد مصدرا مهما لأصحاب الأكشاك والمكتبات والبائعين في الجولات كل هؤلاء باتو  يعانون الفاقة بسبب انقطاع الصحف وتوقفها الشبه كلي. وكذلك المطابع دفعت ثمن هذا الانقطاع الجماعي للصحف في اليمن..

ويقول : تخيل قرابة 200 صحيفة تصدر إما يومية او أسبوعية أو نصف شهرية أو شهرية أو حتى فصلية  تتوقف وتغلق مكاتبها وكل ذلك بسبب حكامنا القبيحون المتصارعون على السلطة والثروة.. وهو توقف مخيف ذو ضرر معنوي ومادي ليس فقط على  الصحفيين .

واضاف " لم أكن أتوقع أن يأتي اليوم الذي نحلم بعودة صاحبة الجلالة للعمل بعد توقف العمل الصحفي.

 إغلاق ومصادرة

وفي نفس السياق اكدا  أشرف الريفي مدير تحرير صحيفة الوحدوي أن إغلاق الصحف كان له تأثيرا كبيرا على شريحة واسعة اولها الصحف والصحفيين الذين خسروا مصدر دخلهم  مرورا بأصحاب الاكشاك والباعة المتجولين الذين مثل لهم هذا الايقاف خسارة فادحة  خصوصا   وبيع الصحف كان دخل رئيسي لهم.

وحسب الريفي الازمة طالت شرائح متنوعة غير الصحفيين حيث اضطر خلال الفترة الماضية كثير من اصحاب الاكشاك والمكتبات الى اغلاق محالهم او حولوا معروضتهم الى سلع اخرى،  كما اعلن كثير من الموزعين افلاسهم .

ويشير إلى ان حجم الخسائر كبيرة  المادية جدا بالنسبة للصحف والصحفيين والموزعين واصحاب الاكشاك ناهيك عن الضرر المعنوي.

ويرى الريفي أن الخسارة المعرفية والمعنوية طالت جمهور الصحف الذين حرموا من حقهم في الحصول على المعلومات ، والتنوع والتعدد فيما يقتنوه من صحف. وهو ما جعل من وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة الالكترونية قبلة جديدة لكثير من القراء والجمهور لمتابعة ما يدور من احداث من مصادر عديدة ومتنوعة.

 صحف بدون قراء:

هموم أصحاب الاكشاك كبيرة ايضا ، وهنا نسمع جزء منها على لسان عارف الوليدي صاحب كشك الجامعة  الذي قال أن  إيقاف الصحف سبب لهم  خسارة كبيرة وجعلنا  نفكر بالتخلي عن العمل في هذا المجال والذهاب إلى السعودية للبحث عن عمل هناك. بعد أن عجزوا عن تسديد إيجارات المنازل ومحالهم .

 يصف الوليدي  توقف الصحف بالمأساة الحقيقية ويوضح أن كشكه كان مليء بالزبائن كل يوم صباح لشراء الصحف اليومية والاسبوعية إلى جانب المتصفحين وكان بيع الصحف يوفر كل احتياجاته  لكنه اليوم لم يعد هناك صحف إلا اربع وجميعها  تتحدث بلسان الحوثي الى جانب صحيفة اليمن اليوم وهي الصحيفة التي تمشي الان رغم ان الاعداد التي توزع عنده بالكشك لا تزيد عن عشرين نسخة فقط  يوميا وربحها لا يغطي مصروفه الشخصي فما بالك بمصاريف البيت وايجار الكشك .

حسب الوليدي فأن كشكه كان يستقبل في السابق ما بين 100الى 150نسخة من الصحف يوميا ما بين  يومية واسبوعية واليوم لم يعد يستقبل الا اربعين نسخة غالبيتها لاتباع . مشيرا إلى انه حتى المتصفحين لم يعودوا يتصفحون كما كان ذلك في الماضي بسبب غياب التنوع .

وقال: أن  ما يزيد الطين بله ان المجلات والصحف الخارجية  لم تعد تصل الينا بسبب صعوبة وصولها لليمن بسبب الحرب لتوسع من حجم مأساتهم وتضاف للأسباب  التي دفعته للتفكير بترك الكشك والهجرة خارج البلاد لعله يتمكن من توفير متطلبات ابنائه في ظل غلاء فاحش للأسعار وازمة سيولة سببها انقطاع الرواتب ما جعل انعكاسها عليهم سلبي بشكل كبير.

آلام نفسية تلاحق الصحفي

وتحدث محمود المحويتي أن المئات من الصحفيين العاملين في الصحف الرسمية والأهلية يعيشون اوضاعا صعبه ومأساويه فمنهم من تعرض للسجن بعد عجزه عن دفع ايجار منزله وبعضهم تعرض للإهانة وبعضهم تعرض لآلام نفسيه لعدم قدرته الايفاء بمتطلبات منزله ومتطلبات اولاده

ويرى المحويتي ان كل الاطراف المتصارعة جميعها تتحمل المسئولية جراء هذه الاضرار التي لحقت بالصحفيين سواء الحوثيين او تحالف السعودية او حكومة هادي فالكل مشترك بما حصل ولا يعفى احد منها.

 مذبحة صحفية:

يقول عضو مجلس نقابة الصحفيين اليمنيين نبيل الاسيدي في تصريحات صحفية أن الانتهاكات الجسمية التي تُمارسها جماعة الحوثي لم يسبق لأي جماعة فاشية القيام بها، مشيرا إلى أنه لم تظهر اي جهة كل هذا الحقد والانتقام ضد الصحفيين مثل مسلحي الحوثي .

وكانت نقابة الصحفيين اعلنت اثناء توقيف الصحف واقتحام وسائل الاعلام ومطاردة الصحفيين أن ما تتعرض له الصحافة في اليمن لم يسبق ان شهدته الصحافة اليمنية منذ اعادة تحقيق الوحدة اليمنية في العام 1990م. واصفة ما تعرضت له الصحافة بالمذبحة التي استهدفت قيم التعددية السياسية وحرية التعبير وهما ركيزتان للدولة اليمنية الجديدة اتت بنضالات طويلة للصحافة والصحفيين والحقوقيين في البلد.

وحسب تقارير نقابة الصحفيين فأن ما يزيد عن 700 حالة انتهاك طالت الصحافة والصحفيين منذ مطلع العام 2015 الى يوم . ويفيد تقرير النقابة الحديث الخاص بالنصف الاول من العام الجاري 2017م فأنه تم رصد 130حالة انتهاك طالت الحريات الصحفية والإعلامية في اليمن خلال النصف الأول من العام الجاري استهدفت 195 صحفي ومؤسسة إعلامية كانوا ضحايا للانتهاكات  المختلفة من قتل واعتداءات وتهديد ومصادرة وايقاف عن العمل وتعذيب وشروع بالقتل و تهكير مواقع إخبارية ومصادرة مقتنيات الصحفيين وممتلكاتهم ومحاكمتهم وترويعهم.

المليشيا لا تقبل حرية الرأي

من جهته يقول  أسامة الشرمي وكيل وزارة الإعلام بحكومة الرئيس هادي ان أقدام المليشيات بالانقلاب على الدولة و مؤسساتها دفعهم  لمصادرة حرية الرأي والتعبير وهي مسألة مفروغ منها.

ويصف الشرمي موقف جماعة الحوثي بالارهاب قائلا : ان الإرهاب لا يستحمل سماع رأي آخر ولا يحب أن يعلو صوت الحق على أصوات الانفجارات أو تكبيرات الموت التي يرددها ليلاً ونهار.

ويزعم ان الحكومة الشرعية ترعى العمل الصحفي وتضمن حرية التعبير ممثلة بوزير الإعلام الأستاذ معمر الأرياني الذي يحرص دوماً على تسهيل أي عوائق أمام أرباب القلم والكلمة الحرة.

 وأشار إلى أن وزير الإعلام يعمل دائماً على التواصل مع الإعلاميين وممثلي وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية .ويرفض أي وصاية على العمل الصحفي تحت أي مبرر او حجة كما تعمل جماعة الحوثي الانقلابية في صنعاء .

تبرير وتزييف

 وأكد عبدالرحمن مطهر مدير مكتب صحيفة الجمهورية والمقرب من الحوثيين أن  معظم الصحف والمواقع الالكترونية الصحفية تتبع احزابها في مختلف توجهاتها المؤيدة للعدوان على اليمن  خاصة حزب الاصلاح الاخواني الذي دعا لإبادة الشعب اليمني ،فمن المعروف ان دول تحالف العدوان على اليمن ارتكبت مئات المجازر ضد المدنيين حيث قصف الطيران السعودي المستشفيات وصالات الافراح والعزاء ومخيمات النازحين ومنازل المواطنين في مختلف المحافظات اليمنية خاصة في صعدة والعاصمة صنعاء وتعز .

واضاف ان "العدوان" ارتكب المجازر التي لا تخطر على قلب بشر كذبح الأسرى ودفنهم احياء واعلام وصحف الاحزاب السياسية لم تحرك ساكنا بل مازالت تروج كذبا وافتراءا بأن العدوان يقصف فقط المواقع العسكرية لهذا من الطبيعي ان يتم اغلاق هذه الصحف، على حد وصفه.

سعت جماعة الحوثي بكل قوتها لإيقاف الصحف واعتقال وضرب بعض الصحفيين ليس لذنب ارتكبوها إنما لكونهم يعملون في صحف ترى حكومة الأمر الواقع أنها تخدم العدوان السعودي على حد وصفهم .

بينما يسعى الصحفيون اليمنيون إلى نقل معاناتهم معتبرين ما يقومون به هو نقل الحقيقة كماهي وليس كما يروج من يفرضون سيطرتهم على صنعاء وغيرها من المدن اليمنية.

متعلقات